اخر الاخبار
recent

من ذكريات عدن زمان : قصة مجدي .. والحجة فطوم

عنبر العيون باحدى مستشفيات عدن زمان



((عدن حرة)) عدن :
الخميس 2014-03-13 23:24:47





يا حجة فطوم أولآ سنعرف الجيل الجديد عن معنى كلمة " مجدي " هي كلمة أنقرضت من القاموس العدني وتعني صنفور صغير – أي دُمل يظهر في جفن العين ، فقد أختفت الكلمة وأختفى الصنفور – "مجدي".تقول أساطير جداتنا إن الصنفور "مجدي" ليس له دواء في الهوسبيتال ، ولكن له دواء آخر سنذكره فيما بعد . كنا في الصف الثالث إبتدائي في مدرسة "الدينسي" – مدرسة السيلة ، أصيب صالح زيدان ب "مجدي" عند جفن العين فذهب إلى "أردلي" – ممرض المدرسة الظريف ابن حافة القاضي الممرض فضل عبدالاه وكان صالح يشعر بألم شديد ، قال له فضل : يا صالح هذا الصنفور ما فيش له دواء ولكن جداتنا يقولوا إذا أخدت كوفية هندي – بانيان هندوسي ومسحت بها عينك يروح الصنفور". رجع صالح إلى الصف وأخبرنا في الموضوع . قال له عادل موافي المسألة بسيطة خلف المدرسة حافة البانيان ودكاكين البانيان ولكن من الصعب إقناع واحد بانيان أن يحل الكوفية حقه لإعطاها لصالح زيدان ليمسح بها الصنفور.كان البانيان يلبسون كوافي وملابس بيضاء قطنية وهي ملابس شعبية وطنية لسكان الهند . كانت العملية صعبة جدآ ولكن باشا أحمد عبدي سهل الأمر بخطة بسيطة وآمنه بدون أي ضرر.


ضحكت الحجة فطوم أصبر با أعمر ماي فرست بوري وبا اجيب لك بدامي وبعدين حازيني وقالت ايش كانت خطة باشا . قلت كانت اسم العملية "كوفية البانيان" – وهي بسيطة جدآ. أشترك في العملية : معروف سالم باسندوة ، عادل موافي ، باشا أحمد عبدي – قائد الهجوم ، صالح زيدان ، أحمد بن أحمد ضالعي ، غازي نجيب أمان ، أبوبكر شيباني، جعفر عبد الرحمن نورجي ، حسن مكاوي و محمد أحمد البيضاني . 


عيادة رأس مربط بالتواهي 

كانت خطة الباشا الرهيبة البسيطة يمكن أن تنفد بكل بساطة وهي أن نحيط بالبانيان من كل جانب ويتقدم إليه معروف سالم باسندوة ويجري معه حديث في نفس الوقت ومن الخلف يتقدم إليه باشا بهجوم سريع خاطف ويقفز ويأخذ كوفيته ويرميها إلى صالح زيدان الذي سيقوم بمسح "المجدي" بكوفية البانيان ثم يعيدها إلى معروف سالم باسندوة الذي سيرميها للبانيان مرة أخرى ثم نهرب – بدون أي ضرر ولكن هذه الخطة تحتاج إلى "عامل السرعة" – عامل السرعة والمفاجأة والعملية كلها تتم في دقائق .. وبدء الأمر رائع وبسيط و لكن يحتاج إلى الشجاعة ودقة التنفيذ.

ضحكت الحجة فطوم وقالت أصبر با أجيب القفشة حق المداعه. يا حجة فطوم كان يوم من الدهر خرجنا من المدرسة كأننا فريق كوماندوز ، ذهبنا إلى خلف المدرسة – شارع البانيان حيث توجد دكاكينهم وبسرعة لمحنا الهدف المنشود وجدنا في طرف الشارع واحد بانيان أمام دكانه وكان يغلق الدكان ، أنتظرنا حتى سار فوق الفوت بات . بدء الهجوم وكأنها دقائق خاطفة لا تتحمل الخوف أو التردد - تقدم معروف باسندوة يتكلم مع البانيان وجاء باشا من الخلف و خطف كوفية البانيان بكفاءة ورماها إلى صالح زيدان .. وفي أقل من ثانية تغير كل شئ كانت الكارثة العظمى الغير متوقعة .. صاح البانيان بصوت هز الشارع كأنه صوت قتيل : أريه أريه بجاو .. بجاو – أي أنقذوني أنقذوني ، فأرتبكنا وخرجنا عن النص وخرج كل البانيان وبعض العرب من الدكاكين . صعق وأخطاء صالح زيدان ولم يرمي كوفية البانيان إلى معروف باسندوة ومن الخوف وصوت البانيان كأنه قتيل، وهرب بالكوفيه حق البانيان من خوفه . تفرقنا في الهرب ووجدت نفسي في الزغاطيط التي تؤدي إلى سوق البز ومعي صالح زيدان.


احد عنابر دار الامومة بعدن زمان


يا حجة فطوم كان الحدث أليم والمصيبة كبيرة من القصة التي عملناها كنا نفكر ماذا كانت ردة فعل البانيان من جراء ذلك الهجوم الغادر ، سرنا معآ دون كلام حتى وصلنا الحارة وعلينا الوجوم والحزن. جلسنا في المقهايه وجاء ياسين عرب الذي لم يشترك في العملية لأنه كان مريض ولم يحضر إلى المدرسة، أعطينا له القصة وقلقنا من نتائج هذه الكارثة ، كان ياسين عرب ذكيآ قال لنا لا يوجد مشكلة سنذهب إلى خالة زينب حكميه ونشرح لها الأمر والحل عندها، ذهبنا إليها وققصنا لها القصة ضحكت بشدة وقالت أسمعوا يا عيالي معي لكم حل ، هل تعرفوا البانيان قلنا لها نعرفه ونعرف دكانه في الركن. قالت الحل الوحيد أروح إلى البانيان وأخاصمكم قدامه ثم تعتذروا له ، البانيان ناس عاطفيين وسأمثل دور أمكم . وأطلب منه السماح وأشرح له السبب في أخذ كوفيته والمسألة كلها لها نية طيبة وحكاية مجدي وليس الإعتداء عليه أو أخد كوفيته، ثم ضحكت وقالت من أعطاكم هذا الشور المرفاله ، قلنا لها فضل حسن عبدالاه.. قالت الله يجعل له مصيبة با أشتكي به عند أمه الحجة زينب بنت مسلم .

يا حجة فطوم ذهبنا إلى دكان البانيان وبمجرد أن شافنا تعرف على صالح زيدان ، الخالة زينب شرحت له الأمر والقصة فضحك البانيان في إستغراب للموضوع ، وقالت له نحن عيال أيتام وفقراء، ودخلت أمامه في خطبة وموعظة وإستعطاف على فقرنا ويتمنا وأن هي أمنا أرملة وقلبت المسألة فيلم هندي عاطفي، دخلت الخالة زينب في مقدمة لغويه عاطفية مع حبتين دموع أمام البانيان وقالت: يا سيت – أي السيد سندرجي كاليداس قالها لها اسمي موهينلال بتيل (سندرجي كاليداس كان وكيل المرسيدس في عدن) قالت له آسفه – يا سيت زوجي مات وعيالي أيتام وطول النهار أشتغل في البيوت علشان يتعلموا في المدارس ولكنهم عيال روفلات أرجو تسامحهم ، و لا تعمل ربوط في شوكي عدن . ثم بكت مرة أخرى وقامت وأعطتني أنا وصالح كفين وقالت بشدة : قوموا يا روفلات سلموا وبوسوا رأس عمكم موهينلال بتيل ، هذا عمكم بتيل لازم تحترموه ليش ما أخدتوا رخصة منه علشان تأخذوا الكوفيه . ثم دعت لبتيل أن يحفظه بجوان – أي رب البانيان.

قلت للحجة فطوم قمنا نسلم على البانيان موهينلال بتيل ونبوس رأسه في مشهد عاطفي إنساني وخيم على الجو في دكان البانيان صمت ورهبة كأننا في أعظم فيلم هندي عاطفي بطولة دارماندرا وخيل إلي إن صوت الممثلة الهندية هيما ماليني قادما من بعيد على صوت السيتار - آله هندية رقيقة تحكي قصة يتيمين وأرملة. تأثر البانيان بالموقف حتى كادت تسيل دموعه ، لو زادت دموع الخالة زينب وأستمر الموقف العاطفي فلا غرابه أن يقوم البانيان بالزواج من الخالة زينب حكميه وأصبحنا أنا وصالح زيدان عيال البانيان موهينلال بتيل وتغيرت أسمائنا من محمد وصالح إلى أميتا و راجو موهينلال بتيل. خرجنا من دكان البانيان إلى حارتنا – حارة القاضي ، وفي الطريق ضحكت وقلت للخالة زينب هذه العملية لن أنسىاها طول حياتي و رائحة السليط النارجيل القوي وأنا أبوس رأس البانيان موهينلال تبتيل – (كان البانيان يستعلموا السليط النارجيل القوي في دهن شعر الرأس).. ضحكت الخالة زينب حكميه وقالت يا محمد أني قلت بوس رأس البانيان مش تشم شعره.


* محمد أحمد البيضاني كاتب عدني ومؤرخ سياسي القاهرة

ليست هناك تعليقات:

أكتب تعليقك ورأيك في الموضوع

يتم التشغيل بواسطة Blogger.